dots
New Banking

في ظل تزايد القوانين المصرفية الإقليمية والدولية، والهوامش المضغوطة، وتغيير معايير كفاية رأس المال، باتت البنوك تبحث عن نهج أكثر ملاءمة وشفافية لأداء أعمالها.

وثمّة قاعدة عملاء أكثر اطلاعًا وتطلّبًا تدفع المؤسّسات المالية إلى إعادة النظر بنهجها في خدمة العملاء ودعمهم، مما يؤدّي إلى تحوّلات جوهرية في ثقافة هذه الصناعة، سيّما وأن الشركات الناشئة المتوائمة مع الألفية الجديدة بدأت تهدّد اللاعبين المخضرمين.

في هذا الوقت، لا تزال الصناعة المالية ككل تعمل على معالجة مشاكلها الائتمانية والرأسمالية الناجمة عن الركود منذ نحو عقد من الزمن. ويحوّل اللاعبون الرئيسون تركيزهم إلى تحسين الكفاءة التشغيلية كوسيلة للحماية من الاضطرابات المستقبلية، وتحسين رضا العملاء، واكتساب الزخم اللازم لدفعهم نحو العصر الرقمي للخدمات المصرفية.

وتتحوّل العديد من المؤسسات المصرفية نحو مناهج اللين كإطار لتبنّي التحسين المستمر، وتحسين العمليات بغية تأمين القيمة للعملاء، واكتساب ميزة تنافسية. سنناقش أدناه كيف يمكن للممارسات والمبادئ والاتجاهات الرقمية الليّنة أن تساعد البنوك على استشراف التحوّلات والاستعداد لها في سوق متجذّرة في عدم اليقين.

لماذا الصناعة المصرفية الليّنة؟

عدم الكفاءة التشغيلية هذه هي السبب الأولي وراء تحوّل العديد من البنوك إلى نهج اللين الذي أثبت جدواه في مساعدة الشركات بفاعلية على ضبط النفقات التشغيلية والحد من المخاطر في مجالات التصنيع والهندسة وتطوير البرمجيات والخدمات وغيرها الكثير.

ولم تشذ الصناعة المصرفية عن القاعدة: أكّدت المبادئ الأربعة من خلال العمل في المشروع أن الممارسات الليّنة
يمكن أن تقلّص بفاعلية من قاعدة تكاليف البنك بنسبة 25-30٪. وقد أثبت نهج اللين أنه حل فاعل بشكل خاص لخفض تكاليف المكاتب الخلفية والأمامية.

يساعد نهج اللين على تحسين كفاءة الفريق: تُظهر مشاريعنا تحسينات في المهل الزمنية للعمليات بنسبة 30-60٪. وبفضل كل هذه التحسينات التشغيلية، بدأت البنوك ترى فوائد أخرى لنهج اللين ملموسة بشكل أقل ولكنها توازيها أهمية. ويشرح الشريك المؤسّس والشريك الإداري لشركة المبادئ الأربعة باتريك ويبوش هذا الأمر كالتالي:

يستمد نهج اللين القيمة من وجهة نظر العميل، مما يجعلها شفافة جدًا حيث ينبغي أن تنصبّ جهود التحسينات عليها. علاوة على ذلك، يؤدي نهج اللين إلى تعزيز حوافز الموظفين، وبالتالي زيادة مشاركتهم والحد من دورانهم. ويؤدي التحوّل الليّن الناجح للمؤسسات الصغيرة إلى تغيير العقلية نحو الاعتماد على الذات والتحسين المستمر، مما يحسّن أداء الشركة على نحو مستدام من ناحية الجودة وتقديم الخدمات والتكاليف.

إن معالجة أوجه القصور الكامنة وتقليص النفقات التشغيلية والتخفيف من حدّة المخاطر، قد وفّرت للشركات المنصة المناسبة للتمتع بخفّة الحركة والابتكار الحقيقيين. وهنا تكمن بالضبط القوة الحقيقية لنهج اللين أي مواءمة الأهداف المالية مع احتياجات العملاء والموظفين والمديرين بغية تحويل الشركات من الداخل إلى الخارج.

حل مستدام منخفض التكلفة

ما يميّز نهج اللين عن أساليب التحسين الأخرى هو أنه لا يتطلب استثمارًا كبيرًا في رأس المال، فكل ما هو مطلوب للبدء هو فهم أساسي لمفاهيم اللين ورؤية مشتركة واضحة المعالم لأهداف الشركة.

تتيح مبادئ اللين للموظفين امتلاك العمليات التي يتبعونها وتحسينها أي بمعنى أنه بدلاً من الاعتماد على مستشارين خارجيين لمعالجة المشاكل، فإن الموظفين ينخرطون في ممارسة مستدامة ودائمة للتحسين المستمر.

هذا النهج يخلق نتائج دائمة: سجّلت المؤسّسات المالية التي تعتمد الأساليب المصرفية الليّنة في عملياتها خفضًا في التكاليف بنسبة 20-30٪ في غضون 12 إلى 18 شهرًا محافظة على نسب فاعلية التكلفة تحت معدّل الصناعة المصرفية.

المفاهيم الأساسية للخدمات المصرفية الليّنة

الآن بعدما تناولنا فوائد الخدمات المصرفية الليّنة، فلنناقش المبادئ المحددة التي تستخدمها البنوك لتحويل عملياتها من الداخل إلى الخارج.

ملكية العملية من ألفها إلى يائها

تقليديًا، تم تنظيم البنوك حول المنتجات التي تقدّمها ودفع المنتجات نحو السوق، بدلاً من خلق المنتجات استجابة للاحتياجات التي يعرب عنها العملاء. هذه هي المشكلة الأولى مع الفِرق التي تتمحور حول المنتج.

ثانيًا، عندما يتم تنظيم وحدات الأعمال حول المنتجات، فإن كل تغيير في السوق يؤدّي إلى مبادرات خاصة بكل قسم، بدلاً من الاستجابة الاستراتيجية المنظمة في القطاع برمّته. وبهذه الطريقة، تقوم البنية المتمحورة حول المنتج بخلق صوامع وظيفية حيث تتوزّع المعلومات والجهد والأفكار في أنحاء الشركة، بدلاً من المواءمة لتلبية الأهداف التنظيمية.

تستفيد البنوك حاليًا من نهج أقل حجمًا ألا وهو بنية محورها العميل يتم من خلالها إدارة العمليات التي تؤثّر على العميل (مثل عملية طلب بطاقة الائتمان أو الرهن العقاري) بشكل كلّي، من ألفها إلى يائها. وهذا يؤدّي إلى نهج أكثر كفاءة وملاءمة للعملاء.

إن التحوّل من نهج محوره المنتج إلى نهج محوره العملاء ليس بالأمر السريع، فمن وجهة نظر لوجستية بحتة، يتطلب هذا التحوّل طرحًا متأنّيًا وشاملاً، ويمكن أن يستغرق أشهرًا إلى سنوات لاستكماله. وفي ما يلي مثال رفيع المستوى لما قد ينطوي عليه هكذا طرح:

من وجهة نظر ثقافية، فإن بناء شركة محورها العملاء يتطلّب تحوّلاً فكريًا يلقى مقاومة في معظم الحالات، ولا سيّما من المديرين والموظفين الذين بنوا وظائفهم حول الثقافة المخضرمة في هذا المجال. لهذا السبب فإنه من الأهمية بمكان أن تعيّن الشركات مالكي عمليات لإدارة عملية الانتقال وامتلاكها. ويجب أن تكون الأدوار والمسؤوليات محددة بوضوح بالنسبة لمالكي العملية الذين تم تأهيلهم حديثًا فضلاً عن المديرين الفنيين الذين يقدمون الخدمات لهم.

في الحياة الحقيقية: ربط النقاط للحد من الخطأ والجهد والتكلفة

في أحيان كثيرة قد تكون فرص تحسين العمليات الرئيسة مغطاة بقشرة بصل. ثمّة بنك يتمتّع بحضور كبير جنوبي الولايات المتحدة كان يكافح من أجل إدارة عملياته في خدمة الرهن العقاري والإدارة الافتراضية بفاعلية، فقرر استخدام مبادئ اللين للمساعدة في تحسين كفاءة العمليات. وبما أنه يقدّم خدماته لما يزيد عن مليوني رهن عقاري في 48 ولاية، فقد أدرك أنه حتى التحسينات الطفيفة يمكن أن يكون لها تأثير كبير.

ركّز البنك على تحسين المناطق التالية:

  • عمليات خدمة الرهن العقاري (بما في ذلك ما بعد الإقفال/ MERS، إدارة القروض، صرف الأموال، تقديم التقارير للمستثمرين ومكاتب الائتمان).
  • إدارة التعثّر في الرهن العقاري (بما في ذلك المجموعات، التخفيف من الخسائر، ما بعد إغلاق الرهن وإجراءات إغلاق الرهن، والإفلاس والعقارات المملوكة REO).

واكتشف البنك أنه أثناء محاولته الاستجابة للمتطلبات السوقية والتنظيمية، وضع استجابة غير منسقة إلى حد كبير لقضايا المخاطر والتراكمات. ونتيجة لذلك، كانت عملياته وفرقه تعمل في صوامع؛ وكانت حالات الإسراف والهدر الناتجة هائلة. واكتشفت الشركة أكثر من 1400 عملية روتينية فرعية يدوية ومكلفة للغاية على مستوى النشاط: عمليات التسليم، إعادة التحقق، التصحيحات، المراجعات. وتداخل العديد من هذه الأنشطة مع أنشطة أخرى أو أنه ببساطة لم يكن ضروريًا. وتم إلغاء 70٪ من هذا الجهد من خلال توحيد العمليات ودمجها من البداية إلى النهاية.

رفع الكفاءة التشغيلية

البنوك هي منظمات كثيفة العمليات مع تدفقات عمل معقدة بشكل لا يصدق؛ وضمن هذا التعقيد يكمن مقدار كبير من الهدر المخفي. ويمكن للهدر في العمليات أن يعبّر عن نفسه على أنه “إعادة العمل بسبب أخطاء في العمليات، نقاط التفتيش غير الضرورية، تشتت مادي للمعلومات، استرجاع العمليات، تخزين متعدد للمعلومات، تقديم خدمات لا يحتاجها العميل…” وغيرها.

إن نهج اللين يساعد المنظمات بصورة منهجية على الكشف عن مصادر الهدر المخفية في العمليات وإلغائها، مما يخلق فرصًا جديدة لتحسين الكفاءة التشغيلية.

في الحياة الحقيقية: افتراضات تجريبية لرفع الكفاءة التشغيلية

بعد عقود ناجحة عدة، كانت واحدة من أبرز ثلاث مجموعات للخدمات المالية على الصعيد الإقليمي تتطلّع إلى تحسين الإنتاجية بشكل أسرع من نمو الإيرادات. وكان مجلس الإدارة يطالب بتدابير لخفض التكاليف بغية زيادة الربحية، وكانت الميزة التنافسية التي حققها البنك بشق النفس مهددة من عملياته المتوسطة.

وقد تطلبت هذه العملية من الجميع في المنظمة إعادة النظر في الافتراضات السابقة من أجل تعزيز الكفاءة التشغيلية. على سبيل المثال، اعتقد المديرون التنفيذيون لفترة طويلة أن العملاء يقدّرون عدم الانتظار إطلاقًا في مواقع الفروع، ووجد البنك في الواقع أن العملاء لا يبالون إذا انتظروا بعض الوقت طالما أنه لا يتجاوز الـ90 ثانية. وقد أدى خفض هذه الخدمة الزائدة إلى تخفيض كبير في التكاليف يقارب الـ20٪ من تكاليف تشغيل الفروع.

ثقافة اللين للتحسين المستمر

إن أحد أهم العناصر في أي تحول ليّن هو إرساء ثقافة مستدامة للتحسين المستمر. وتكمن جذور ثقافة اللين الحقيقية في فكرة أن كل موظف، على كل مستوى، يحاول تحسين بيئة عمله وعملياته وعاداته. وتحتاج المنظمات للاستثمار في تلقين الموظفين الممارسات والمبادئ الليّنة للجميع على جميع المستويات. يجب أن يكون التحسين المستمر هو الهدف والأولوية للجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك من دون رعاية وقيادة تنفيذية.

إن التواصل الواضح والحماسي من جانب القيادة أمر حاسم لنجاح أي مبادرة ليّنة. ومن أجل التغلب على مشاعر عدم اليقين والمقاومة التي يمكن أن يحدثها التغيير، يتعيّن على القادة أن يكونوا الرواد في تقديم مثال يحتذى به من خلال ممارسة التحسين المستمر في عملهم الخاص، والاحتفال بالفشل والنجاح على قدم المساواة، وإبلاغ التوقعات بوضوح وصراحة (ترك الأفعال تتكلم).

يحتاج القادة إلى إظهار كيفية اتخاذ القرارات التي تضع العميل أولاً، بحيث يشعر الجميع بالراحة والثقة في القيام بالشيء نفسه. كتب مدير العمليات في بنك DBS في سنغافورة بول كوبان عن قيادة البنك لديهم التالي:

“نحن محظوظون بأن يكون لدينا رئيس تنفيذي ملهم جدًا، وقد كان حاضرًا بيننا مدة ثماني سنوات ودائمًا ما أبدى انسجامًا تامًا مع الاستراتيجية، كما دعم أيضًا مبادراتنا للتحسين بلا تردّد. إن إحدى الطرق التي أظهرت فيها القيادة العليا مدى عمق ثقتها بالتفكير اللين كانت عبر تشجيع الموظفين على البدء بالعدد الذي يريدونه من “المشاريع الحمراء” (RED projects)، على الرغم من علم هذه القيادة – كما ذكرت – بأن الكثيرين منهم سيفشلون. فمن خلال السماح لهم بالمحاولة، سمحت للموظفين بتبادل أفكارهم، ومحاولة أشياء جديدة، والتعلم من التجارب التي كانوا يجرونها. في وقت مبكر من تحوّلنا، وظّفنا صحافيًا سابقًا انحصرت مهمته بكتابة قصتين أسبوعيًا عن التغيير الذي كنا نحاول تحقيقه. ما نزال نأخذ التواصل على محمل الجد، وقد وصلنا إلى نقطة لا نجد فيها ما يكفي من الموظفين لكتابة كل القصص التي في جعبتنا. لقد وجدنا أيضًا أن تقاسم طبيعة التحسينات التي تجري في DBS مع العالم الخارجي يساعدنا بالحصول على الجاذب داخليًا واستقطاب المواهب. ”

التركيز على العميل/ الزبون

نظرًا لأن العمليات البنكية قد تم تنظيمها تقليديًا حول المنتجات، وليس الناس، فقد جاهدت البنوك طويلاً لتقديم تجارب عملاء عالية الجودة. علاوة على ذلك، فإن الصناعة المصرفية لديها سمعة بأنها لا تعمل دائمًا لمصلحة العميل. صحيح إن الخدمات المصرفية الليّنة آخذة في الارتفاع، ولكن العديد من العمليات التنفيذية تركّز كثيرًا على تحقيق التميّز التشغيلي، ولا تقترب بما يكفي من خلق ثقافة تركّز على العملاء.

عند تطبيق نهج المصرفية الليّنة بشكل شامل ليشمل تدابير الكفاءة التشغيلية والتحسينات الثقافية على السواء، فإنه يشجّع المؤسّسات المالية على مواءمة الأهداف التنظيمية مع احتياجات العملاء مما يخلق أساسًا أقوى لتقديم خبرات محورها العملاء بشكل جوهري. وكما قال بول كوبان، مدير العمليات في بنك DBS في سنغافورة:

“من الصعب أن نفهم كمية الهدر التي تجنبنا توليدها بمجرّد التحدّث إلى عملائنا. والحقيقة هي أنه بغض النظر عن مقدار الهدر الذي يمكنك إلغاؤه من عملياتك، لن يكون هناك أبدًا صيغة للهدر أكبر من تقديم خدمة أو منتج للعملاء لا يريدونه أو يحتاجونه.”

إن التنفيذ الشامل لنهج اللين يضمن أن تتمتّع المنظمة ككل بالإمكانيات والقوى والدوافع كي تقدّم للعملاء تجارب ممتازة على الدوام، وبالتالي تحسين المحصلة النهائية للبنك.

الاتجاهات الرقمية في الخدمات المصرفية

بما أن قادة التكنولوجيا العالمية مثل أمازون أو آبل، وشركات التكنولوجيا المصرفية مثل Affirm (تطبيق التمويل السهل) أو مونزو (الحساب الجاري الذي يعيش في الهواتف الذكية للعملاء) بدأوا بترسيخ جذورهم في هذا المجال بما يشوّش على الصناعة المصرفية، أصبح من الواضح أن القدرة على تبنّي التكنولوجيات الناشئة والاستفادة منها أمر ضروري لأي منظمة تطمح للمنافسة. وفي ما يلي ثلاثة اتجاهات مصرفية رئيسة ستشكل هذه الصناعة في السنوات القادمة.

تجارب مصرفية سلسلة للجوال

جميع المؤسسات المصرفية لديها عمليًا تطبيق للجوال، ولكن هذا لا يعني أنها جميعها تتيح تجربة مصرفية رقمية سلسة يتطلع إليها المستهلكون العصريون. يقول باتريك ويبوش، الشريك المؤسس والشريك الإداري في شركة المبادئ الأربعة إنه خلال السنوات القليلة المقبلة، ستصبح التجارب المصرفية عبر الجوال أوضح وأغنى بالبيانات، بما في ذلك الخدمات المصرفية الرقمية السلسة من المستهلك إلى الأعمال، وعمليات الدفع بنقرة واحدة من مستهلك إلى مستهلك، والفرص الجديدة للعملات الرقمية المشفرة، والبطاقات البيومترية التي لا تحتاج كلمة مرور، والخدمات والعروض حسب الموقع، وواجهات المحادثة.

بشكل عام، تستخدم البنوك بيانات وتحليلات متقدّمة لاكتساب ميزة لافتة في هذا السوق الشائك، وتجربة الجوال هي مجرد فرصة لاستخدام البيانات في دعم تجارب أفضل للعملاء. إن خطوة آبل نحو عمليات الدفع من نظير إلى نظير تدفع بالبنوك إلى تحسين واجهات عروضهم الخاصة بالجوال. العملاء يطالبون بسهولة الاستخدام والسلاسة في تجاربهم على الجوال. ويضيف ويبوش بهذا الخصوص: “في وقتنا الحاضر، تعتمد البنوك على البيانات والتحليلات المتقدّمة كنواة لعملية صنع القرار لديهم في تدفقات القيمة المختلفة التي توجّه نمو الإيرادات المستهدف وضبط النفقات والحد من المخاطر. وإذا ما تم ذلك بشكل صحيح، فإن ذلك سيبقى ميزة تنافسية في المستقبل المنظور”.

إن امتلاك تطبيق جميل وسهل الاستخدام للجوال قد لا يكون كافيًا. وبما أن المستهلكين يستخدمون المزيد من الأجهزة في عملهم اليومي، فإنهم يحتاجون إلى الاتساق وسهولة الاستخدام عبر جميع القنوات، وهو أمر يتوقعونه من كل أداة في جعبتهم. وسيتعين على المصارف أن تتعلم كيفية تكييف استراتيجياتها والاستفادة بشكل فاعل من الخدمات السحابية بغية إنشاء أنظمة فاعلة لتقديم الخدمات المتكاملة المتعددة القنوات.

ستكون إعادة الهيكلة المتعلقة بمعالجة مشاكل العملاء حاسمة بالنسبة للبنوك على أمل تلبية متطلباتهم المتزايدة. ويمكن أن تساعد جهود اللين لتحسين العمليات من البداية إلى النهاية على تسهيل خلق المزيد من تدفقات العمل الميسّرة والملائمة للعملاء، مما يتيح للمصارف خلق تجارب العملاء المطلوبة للبقاء في ركب المنافسة.

الذكاء الاصطناعي يتيح خدمة أقوى للعملاء

قبل بضع سنوات فقط كانت أدوات مثل “أمازون إيكو” أو “جوجل هوم” تبدو مستحيلة، وهي تغدو اليوم بسرعة جزءًا من حياتنا اليومية مثابة مساعدين أذكياء يتيحون لنا إمكانية العيش والعمل بشكل أكثر إنتاجية. وبدأت البنوك حاليًا تتبنّى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في أتمتة العمليات وتحسين تجربة العملاء.

يقول المسؤول في شركة المبادئ الأربعة ستيفانو غاسباري: “نرى البنوك تلجأ لتبسيط العمليات من خلال الأتمتة الذكية، وخلق الشفافية في البيانات التي كانت مدفونة عميقًا في النظم الأساسية المعقدة للبنوك”.

الذكاء الاصطناعي، وأتمتة العمليات الروبوتية (RPA)، والحوسبة الإدراكية (محاكاة عمليات الفكر البشري في نموذج كمبيوتري) تأخذ الصناعة المصرفية نحو طريقة جديدة كلّيًا لخدمة العملاء. وتشمل الحوسبة الإدراكية أنظمة التعلم الذاتي التي تستخدم استخراج البيانات، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة الطبيعية لتقليد طريقة تعلّم الدماغ البشري. وهذا يسمح للبنوك أن تستفيد من البيانات المهيكلة وغير المهيكلة، الخاصة والعامة على السواء، بما فيها البيانات التي تم جمعها من قنوات وسائل التواصل الاجتماعي، لتحسين الكفاءة وزيادة وعي العملاء.

إن بيانات العملاء الذكية التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي تمكّن البنوك من خلق خدمات وخبرات مصمّمة خصيصًا للاحتياجات الفريدة لكل عميل. وبدلاً من ترويج منتج أو خدمة وسط مجموعة متنوّعة من الناس، يمكن للبنوك أن تعتمد على الذكاء الاصطناعي لوضع حلول موجّهة من المحتمل أكثر أن تلبّي احتياجات العملاء.

وتوفر أتمتة العمليات الروبوتية (RPA) للاعبين في قطاع الخدمات المالية قوة عاملة افتراضية مستندة إلى القواعد، مما يسمح للبنوك بأتمتة وبناء منصة تشغيل آلي للمكاتب الأمامية والخلفية ووظائف الدعم.

هل هذا يعني أن جميع المصرفيين سيكونون من الروبوتات؟ لا بل يعني ببساطة أن المصارف يمكنها الاستفادة بشكل أفضل من قدرات موظفيها على حل المشاكل. يمكن لروبوتات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في حل أسئلة العملاء المشتركة، وخلق مساحة للعناصر البشرية كي يتولّوا حالات أكثر تعقيدًا. وبوسع تفكير اللين أن يساعد المنظمات الرئيسة في تحديد العمليات التي يمكن أتمتتها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهذه إحدى طرق اللين التي تتبعها المصارف ألا وهي مبدأ اللين لبناء الجودة في العمليات.

تعزيز التدابير الأمنية باستخدام المقاييس البيومترية

تعزيز التدابير الأمنية باستخدام المقاييس البيومترية
في عصر قراصنة الإنترنت وسرقة الهويات الجماعية والاضطرابات السياسية، يغدو الأمن بالنسبة للعملاء والبنوك أكثر أهمية من أي وقت مضى. وتبحث البنوك عن طرق جديدة أكثر دقّة لتعزيز التدابير الأمنية.

وتتوقّع مؤسسة البيانات الدولية (IDC) أنه في العام 2018 سيرتفع الإنفاق بنسبة 20 في المائة على الجيل التالي من أساليب التوثيق ذات القاعدة الأمنية، حيث تسعى المصارف لرفع مستوى ثقة عملائها بها.

ماذا يعني هذا؟ بفضل هوية اللمس Touch ID وقدرات التعرّف على الوجوه في أجهزة الآيفون وأجهزة آبل الأخرى، أصبح العملاء اليوم يرتاحون لاستخدام بصمات الأصابع والتعرف على الوجه بغية التحقق من هوياتهم. وبالمقابل تخطط البنوك لتوسيع نطاق ذلك كي يشمل التعرف على الوجه وحتى الصوت في السنوات المقبلة. وفضلاً عن إضافتها مرحلة أمنية جديرة أكثر بالثقة، فإن هذه التدابير الأمنية ذات التوجه البيومتري تتيح للعملاء أيضًا تجارب سلسة أكثر وخالية من الاحتكاك. وبدلاً من الاضطرار لتذكر مجموعة أخرى من بيانات اعتماد تسجيل الدخول، يمكن للعملاء استخدام شخصيتهم الخاصة للدخول بسرعة وسهولة إلى حساباتهم.

ذكرنا سابقًا أن هناك مفهومًا غالبًا ما يتم تجاهله في تنفيذ نهج اللين ألا وهو احترام الناس. وهذا يتجاوز مجرد معاملة العملاء والموظفين باحترام – فعلاً، هذا يعني مواءمة مصالح الأعمال والعملاء بحيث أنه عندما يفوز العميل يفوز الجميع. إن استخدام المقاييس البيومترية لتحسين التدابير الأمنية وتعزيزها هي إحدى الطرق العديدة التي يمكن للبنوك استخدام التكنولوجيا فيها لإرساء علاقات عملاء أقوى وأكثر استدامة.

التطلّع إلى الأمام: إنترنت الأشياء (IoT) وسلسلة الكتل (Blockchain) ستقود إصلاح القطاع

كل التقنيات المذكورة أعلاه انبثقت من ضرورة جعل الصناعة تصل إلى مستوى التكنولوجيا التي تستخدمها أبرز شركات التكنولوجيا.

وتختبر البنوك والشركات المالية الأخرى باضطراد طرقًا لاستخدام التكنولوجيات الناشئة ضمن توليفة لتحسين تجربة العملاء، وتوفير رؤى محسّنة، وخفض النفقات التشغيلية، وزيادة الرشاقة والسرعة في السوق.

يتطلع بعض البنوك إلى الاستثمار في عالم إنترنت الأشياء (IoT) كوسيلة لزيادة التواصل. ولا تزال الاستخدامات المحتملة لهذه التكنولوجيا غير معروفة على نطاق واسع: أحد التطبيقات الرئيسة يمكن أن يكون مراقبة العملاء والمنتج كوسيلة لمكافحة مستويات أعلى من الاحتيال عبر الإنترنت، وصعوبات التحقق من الهوية، والمخاوف من أنظمة وشبكات الكمبيوتر المخترقة. والتطبيقات الأكثر تقدّمًا لإنترنت الأشياء يمكن أن تشمل القدرة على إجراء العمليات المصرفية باستخدام أجهزة قابلة للارتداء، وأجهزة تُنشّط بالصوت (مثل أمازون إيكو)، ودمج المدفوعات غير المرئية في وسائل النقل وتناول الطعام، والاستفادة من الأجهزة المنزلية الذكية كأدوات للمصارف.

في غضون ذلك، تتوقّع تك كرانش TechCrunch أن مشاريع سلسلة الكتل ذات القاعدة البنكية ستحوّل صناعة الخدمات المالية في العام 2018. ومن بين أكبر المشاريع التي هي قيد التنفيذ حاليًا نذكر مشروعHyperledger Fabric المدعوم من IBM، وUtility Settlement Coin، وكونسورتيوم سلسلة الكتل في R3، مما يدل على القبول المتزايد في السياسة المؤسساتية لدعم نمو سلسلة الكتل.

وفي حين أنها لا تزال غير معروفة إلى حد كبير، فإن التأثير النهائي لتكنولوجيا سلسلة الكتل يمكن أن يكون مفصليًا؛ فمشاريع سلسلة الكتل يمكن أن تقلل، وربما تلغي، أوقات التحصيل بين البنوك التي تكلّف هذه الصناعة 65-80 مليار دولار سنويًا من خلال ضمان إجراء هذه العمليات في وقتها وبأمان. ويمكن أن تشمل الاستخدامات الأخرى سرعات مضمونة لأسعار صرف العملات العالمية وزيادة أمن المعاملات وغيرها من الفوائد. ويمكن لهذه التغييرات أن تمهد الطريق أمام إصلاح شامل لهذه الصناعة في السنوات القادمة، لتحلّ محل الوسائل التقليدية الموجودة بين بائعي الأصول ومشتريها.

قضية الخدمات المصرفية الليّنة

بعد عقد صعب من إعادة البناء، تبحث الصناعة المصرفية عن طرق لتحسين الكفاءة التشغيلية مع إرساء الأسس لمستقبل أقوى. ويتحوّل العديد من البنوك إلى أساليب اللين كإطار لتسهيل التغيير اللازم.

يقول الرئيس العالمي لقسم التكنولوجيا في جولدمان ساكس Don Duet عن التحوّل الرقمي في العصر الحديث: “إنها عملية تحوّل مستمر، تنقل المزيد من الأجزاء الأساسية في أعمالنا إلى نماذج يتم فيها إنجاز الأمور إلكترونيًا، على نطاق أعلى، وتسليمها بطريقة أكثر سلاسة”.

إن مفاهيم اللين، مثل إدارة العمليات من البداية إلى النهاية والتحسين المستمر، تساعد المصارف على تبنّي التكنولوجيات “المزعزِعة” وخلق تجارب أفضل لكل من عملائها وموظفيها.