dots

 لقد أرست الإدارة اللينة جذورها عميقًا وأثبتت فاعليتها عندما يتعلق الأمر بالتخلص من النفايات وتبسيط العمليات وخفض التكاليف لتحقيق أكبر كفاءة ممكنة؛ وفي الوقت ذاته، لم تغفل عن أحدث التطورات، وهي البحث عن طرائق تستطيع من خلالها مبادئ الإدارة اللينة ونشاطاتها دعم الشركات في تنفيذ أعملها من منظوٍر بيئي.

 

يتعرض قادة الشركات والمُدراء إلى ضغوطات متزايدة لـ “تبني التحول البيئي (الأخضر)” من الهيئات الرسمية والمستهلكين التواقين لاختيار منتجات تعتبر أقل ضررًا على البيئة. هذا علاوًة الضغط الإضافي الناتج عن ضرورة الالتزام بالقواعد وتغيراتها المستمرة، إلى جانب ضرورة مواكبة المنافسين السبَاقين إلى تبني ممارسات صديقة للبيئة. لقد استعرض أحد التقارير مؤخرًا 59 مقالة صحفية وتوصل إلى ضرورة نشر الصناعات لاستراتيجيات الإدارة اللينة والمُحافظة على البيئة؛ لتحقيق تميز تشغيلي واستدامة قصوى لتبقى ضمن دائرة المُنافسة في الأسواق العالمية.

 

وحتى مع تجاوز المخاوف العملية والمالية، يجب الوقوف عند مسألة في غاية الأهمية وهي استدامة كلٍ من المصادر والكوكب ذاته. وهذا من مُنطلق تضاؤل الموارد الأساسية مثل الطاقة والمياه؛ إضافًة إلى التهديدات المتزايدة الناتجة عن الجفاف وحرائق الغابات والطعام والظواهر الجوية الكارثية وتأثيرها المُتزايد على الحياة اليومية في كافة أرجاء المعمورة. كما يشير أحد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة مؤخرًا إلى أن: ” التغير المناخي يشكل التهديد الأكبر على التنمية المستدامة في كل مكان”، وتوصّل إلى أن: ” اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف تغير المناخ والتعامل مع آثاره لا غنًى عنها لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة بنجاح”.

 

ونظرًا لذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع منسوب مياه البحار وجفاف المياه الجوفية وحرائق الغابات، ينبغي على المجتمعات إعادة النظر في جميع الأمور بدءًا من متطلبات البنية التحتية إلى استراتيجيات منع وقوع الكوارث؛ حيث تكلّف تلك الكوارث-والمخاطر البيئية المترتبة عليها-الحكومات مليارات الدولارات سنويًا المُنفقة على عملية الإغاثة من الكوارث وتنظيف البيئة والتخفيف من آثار تغير المناخ. ومع تسارع وتيرة الآثار المترتبة على التغير المناخي من عام إلى آخر، لم يعد ممكنًا لأصحاب الشركات مواصلة أعمالهم وفقًا للقواعد والممارسات السابقة. يجب على المُصنعين تقييم آثار ممارسات التصنيع الضارة بيئيًا التي ساهمت بالوصول إلى الوضع الحالي ومواجهتها، إضافًة إلى اتباع نهجٍ استباقي لجعل التغييرات مستدامة، فالشركات التي لن تُحدث تحولات كبيرة في استخدام المصادر وعمليات التصنيع النظيف سوف تّستبعد من الاقتصاد العالمي.

 

وفي هذا السياق، تُصبح العلاقة مع مبادئ الإدارة اللينة وممارستها أكثر قُربًا؛ فمن أهم ركائز الإدارة اللينة استخدام الطرق المنهجية للتخلص من النفايات وتبسيط العمليات والتخلص من الأنشطة المُفتقدة للقيمة المُضافة، ومن الطبيعي أن يؤدي اتخاذ هذه الخطوات دورًا هامًا في تحقيق فوائد بيئية كبيرة. وفي الوقت الذي يجري فيه تحسين الشركة لتصبح أكثر سرعة ومصداقية وتقدم منتجات وخدمات عالية الجودة وبأسعار منخفضة، يمكن لفكر الإدارة اللينة تحسين استخدام الموارد والتقليل من التأثير السلبي على البيئة مما يجعلها الشريك الأمثل في المشاريع الخضراء.

 

وفي حين تهدف الإدارة اللينة إلى مواجهة الإهدار في المواد والتكاليف ووقت العمّال، تركز الشركة الصديقة للبيئة على التعامل مع النفايات التي تؤثر مباشرة على البيئة. تحديدًا، تسعى الشركة الصديقة للبيئة إلى تحديث عمليات التشغيل والإنتاج لمنع اندفاع الغازات الدفيئة أو تقليله، وعدم استخدام المواد غير المتجددة والسامة أو الحد منه علاوًة على تخفيض إنتاج المخلفات الصلبة والسائلة.

 

ويشير مبدأ” اتباع الإدارة اللينة للوصول إلى بيئٍة نظيفة” إلى إمكانية اتباع هاتين الاستراتيجيتين لتحقيق أكبر فائدة بيئية ممكنة عبر استهداف المخلفات البيئية عمومًا والتلوث خُصوصًا. يرى باتريك ويبوش – شريك مؤسس وإداري في شركة المبادئ الأربعة أن:” تحول المنشأة المُنتجة أو المُصنعة إلى الادارة اللينة لا يبتعد عن هدف التحول إلى منشأةٍ خضراء ومراعية للبيئة بل يتفقان معًا ويؤدي الأول إلى تحقق الثاني نِتاجًا؛ فكلاهما يشترك في هدف التخلص من النفايات في كافة مراحل الدورة الإنتاجية أو التصنيعية.”

 

ومن الجدير بالذكر استخدام الشركات لطرائق الإدارة اللينة بهدف ترشيد استهلاك الطاقة وتخفيض استخدام المياه وتقليل كمية النفايات المُنتهية في مكبات النفايات، حيث ساعدت طرائق الإدارة اللينة الشركات على تحقيق أهداف الاستدامة الشاملة مثل الحد من انبعاث الكربون.

وفي دراسة رائدة، استطلع فيها الباحثون شركات التصنيع الناجحة في مجال تنفيذ الإدارة اللينة حيث حازت تلك الشركات على جائزة شينغو للامتياز التشغيلي، وجد الباحثون أن تلك الشركات كانت إلى حد كبير شركات صديقة للبيئة مقارنة بشركات التصنيع الأخرى، وذلك وفقًا للمعايير رقم 25 و26 للشركات الصديقة للبيئة (الخضراء). وبناءً عليه، توصلوا إلى وجود علاقة قوية بين النجاح في تنمية أنظمة الإدارة اللينة وبين المصداقية البيئية.

تساعد شركة المبادئ الأربعة الشركات الأخرى على تحليل عوائد الإنتاج واستهلاك المواد وتطوير استراتيجيات للحد من العيوب والأعطال. يُشير سيف الشيشكلي – شريك مؤسس وإداري في شركة المبادئ الأربعة إلى ذلك قائلًا: ” تلعب سياسة الإدارة اللينة دورًا هامًا في مساعدة الشركات على دمج العناصر التكميلية للإدارة الخضراء.” ومن الأمثلة المحددة على مجالات الإدارة اللينة في الشركات الصديقة البيئة، يمكن أن تجري شركة المبادئ الأربعة تحليلًا لتحديد مجالات استخدام الطاقة ومن ثمَ تحدد فرص تحسين استهلاك الطاقة.

 

تستطيع أنظمة الإدارة اللينة دعم الشركات عند الرغبة في تطوير أحد المعدات الموجودة أو مكونات التصنيع، أو عند التفكير بشراء معدات جديدة عبر تقديم المُساعدة في تحديد حجم تأثير الأداء البيئي بالإضافة إلى أخذه بعين الاعتبار في عملية صنع القرار. ويقول جيمس راين -ناظر في شركة المبادئ الأربعة أن:” الهدف هو وضع تصميم يتوجه نحو ” المصداقية البيئية” وتستطيع الإدارة اللينة المساعدة في ذلك.” كما يُضيف جيمس:” تستطيع المؤسسات سد الفجوة البيئية من خلال تقييم استهلاك الطاقة للبدائل الهندسية من حيث التكلفة.”

 

تستطيع إدارة أصول دورة الحياة تقييم التأثير البيئي المرتبط بالمواد والمكونات وعمليات التصنيع والتشغيل، ومن ضمنها استهلاك الطاقة واستخدام المياه وتوليد المنتجات الثانوية الضارة والنفايات.

 

وعند النظر في التقاطع بين الإدارة اللينة والشركات الخضراء، سوف نجد توافقًا ملحوظًا بين الهدفين التوأمين للكفاءة والاستدامة، ويمكن توسيع برامج التحسين المستمر لتشمل كلٍ منهما. مثلًا، يمكن استخدام مفهوم الإدارة اللينة للرعاية التشغيلية في وضع معايير التنفيذ المصممة للتقليل من الاختلافات في عملية التصنيع مما يؤدي إلى تقليل الهدر في المنتجات والمواد الخام.

 

ولقد استخدمت شركات التصنيع مثل جنرال إلكتريك وإيستمان كوداك وتويوتا وباكستر الدولية وغيرها الكثير الإدارة اللينة للغايات الآتية:

 

  • رسمت شركة باكستر الدولية للرعاية الصحية خارطة لعمليات التصنيع لتحديد الخطوات الرئيسية في استخدام المياه وفرص تحسينها، مما أدى إلى انخفاض استخدام المياه بمقدار 170،000 جالون يوميًا.
  • خفضّت جنرال إلكتريك انبعاثات الغازات الدفيئة بمقدار 700000 طن متري، مما وفر 111 مليون دولار من تكاليف التشغيل في المنشآت في جميع أنحاء العالم.
  • قامت شركة ستيلكيس المساهمة بتحسين عمليات التشغيل والتقليل من تكاليف المنافع العامة الثابتة بنسبة تقارب 90%.
  • خفضّت شركة تويوتا من استهلاك الطاقة السنوي للمركبة لكل سيارة بنسبة 19 في المئة، كما خفضت انبعاثات الغازات الدفيئة إجماليًا بما نسبته 150000 طن.
  • كما نفذت إحدى منشآت شركة باكستر الدولية استراتيجيات كفاءة الطاقة لتوفير 300000 دولار من تكاليف الطاقة في عام واحد.
  • وفّرت شركة إيستمان كوداك 15 مليون دولار خلال مدة سبع سنوات ويرجع ذلك إلى التحسينات في كفاءة الطاقة.

 

ونختتم بقول باتريك ويبوش – شريك مؤسس وإداري في شركة المبادئ الأربعة-:” إن استراتيجيات الانتاج المستدامة مثل التقليل من النفايات وإعادة الاستخدام وكفاءة الطاقة المحسنة تستطيع تحقيق القيمة المضافة وتخفيض التكاليف وتقليص وقت الانتاج.” كما أضاف:” توفر الإدارة اللينة والصديقة للبيئة طريقة للاستمرار بتحسين عمليات الإدارة التي تعمل على إضافة قيمة إلى المؤسسة والعملاء، والأهم من ذلك أنها تساعد على حماية الطبيعة.”