dots

تواجه الشركات اليوم تحديات مهمة في السوق تتمثل في تسارع وتيرة التغيرات التكنولوجية وارتفاع توقعات العملاء والزبائن، مما يؤدي إلى زيادة الضغط على الشركات الراغبة في أن تكون رائدة بين نظيراتها، وهذا يضعها أمام حاجة ماسّة للتأقلم سريعًا مع التغيرات السريعة في طلبات الزبائن في ظل الظروف التنافسية. ولكي تتغلب على هذه التحديات – أو حتى تسبقها بخطوات – يجب على الشركات أن تكون دائمًا في حالة رصد وتأقلم وتطور حتى تتفوق على منافسيها وتبني علاقة مستقرة مع الزبائن.

وبسبب هذه التغيرات الهائلة، تفقد الشركات القدرة على تحديد نموذج الأعمال الأنسب لها نظرًا للعجز عن توقع مدى نجاح المنتج أو النموذج المُصنّعين وتقلبات طلبات المستهلكين. من الواضح أن الاتجاهات السوقية تتغير بين ليلة وضحاها، فقد تكون قدرة إحدى المنتجات على النجاح مرتفعة جدًّا أثناء فترة التصنيع، ولكن عند الانتهاء من التصنيع ودخول المنتج إلى السوق، قد تكون الاتجاهات السوقية قد تغيرت وعفاعلى هذا المنتج الزمن. للنجاح في هذه البيئة التنافسية وتقليص المخاطر المماثلة، يجب تبنّي درجة عالية من التأقلم والمرونة، إذا يجب على الشركات أن تكون قادرة على تحديد شعبية المنتج أو الخدمة خلال عملية التصنيع والتطوير – وليس بعدها – وأن تغير اتجاه عملها عند الضرورة. وقال كبير المستشارين في شركة المبادئ الأربعة ستيفانو جاسباري إن أيّام الخطط طويلة الأمد قد ولّت، موضحًا أنه يجب على الشركات الآن أن تعتمد على عنصر الابتكار لتلبية احتياجات الزبائن المتغيرة باستمرار.

تعد الأساليب اللينة إحدى أكثر الوسائل شيوعًا لتغيير المنهج العام للشركة ليصبح أكثر تأقلمًا وتكيّفًا. وتحقق الشركات ذات المنهجية اللينة/المرنة الاستقرار والتكيف من خلال بناء شبكة من الفرق التي تدفعها الأهداف عينها وتركز على تقديم القيمة لجميع أصحاب المصلحة في جميع مستويات المنظمة وسلسلة القيمة. ومن أهم ركائز المؤسسات ذات المنهجية اللينة/المرنة هو وجود ثقافة تتمحور حول الإنسان، بالإضافة إلى دورات اتخاذ القرارات ودورات التعليم السريع التي تبرز بمساعدة التقنيات الحديثة والناشئة.

وتتضح أدلة قوية تثبت أن الشركات التي تعتمد الأسلوب اللين/المرن في منهجها تشهد نموًّا ملحوظًا مقارنة بالشركات الأخرى التي تلتزم الهياكل والمناهج التقليدية. وأظهرت بيانات استطلاع رأي قام به تحالف سكرم بالاشتراك مع فوربس إنسايتس أن المنظمات ذات المنهجية اللينة/المرنة شهدت ازديادًا في مدة الوقت للسوق وارتفاعًا في الإيرادات ووتيرة الابتكار بمجرد اعتماد منهج المساءلة الشاملة.

وبشكل عام، تسجل الشركات ذات المنهجية اللينة/المرنة تحسّنًا في معنويات الموظفين وقدرةً أكبر على جذب أفضل المواهب.

وقال أحد كبار المستشارين في شركة المبادئ الاربعة جيمس راين: ” تناسب الإدارة اللينة/المرنة الشركات التي يتضمن عملها مهل إنجاز قصيرة وتتطلب مشاريعها التطور بشكل مستمر لتلبية الطلب المتزايد والتعاون بين أقسامها وأصحاب الاختصاص والمواهب. من خلال الإدارة اللينة، ستعزز تنافسية شركتك وإنتاجية العاملين وجودة الخدمات والمنتجات.” وفي الوقت عينه، من المرجح أن تفوّت الشركات التي تعتمد استراتيجيات إدارية صارمة وهرمية وتسلسلية فرصًا من أجل الاستفادة من التغيرات السوقية، وبالتالي المجازفة بالنجاح في المستقبل.

تحدي التغيير

مما لا شك فيه أن اعتماد منهج ليّن/مرن يتطلب إجراء تغييرات جذرية على جميع مستويات المؤسسة، ابتداءً من القيادة. ومن أهم العراقيل التي تحول دون خلق ثقافة حاضنة لعناصر المرونة والابتكار هي هياكل العمل الصارمة والمتشددة والتسلسل الهرمي للقيادة والتفرد بالصلاحيات.

بهدف إجراء تحوّل ليّن/مرن على مستوى المؤسسة، يجبإعادة تقييم جميع العمليات وتعديلها، ابتداءً من التخطيط الاستراتيجي وصولًا إلى نماذج التشغيل والعمليات اليومية، بالإضافة إلى ضرورة إعادة توجيه المؤسسة وفقًا للمبادئ التوجيهية التي تتمحور حول الزبائن والمساءلة الشاملة والمرونة العالية والتواصل بين الفرق الممكّنة والمترابطة على أساس التفاعل المتبادل.

وتحديدًا، بعض العوامل الأخرى الي تسهل التحول نحو مؤسسة ذات منهجية لينة/مرنة تشمل تخصيص الموارد بشكل مرن وتوفير بيئة عمل مفتوحة وتفاعلية (التفاعل الشخصي أو عبر الإنترنت) وسهولة تناقل الأدوار.

بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التحول نحو مؤسسة ليّنة إجراء بعض التغييرات على طاقم العمل وبالطبع توظيف عمال يتمتعون بمهارات عالية، وبالتالي توفير الحصص التدريبية اللازمة لتطوير العمال. وتجدر الإشارة إلى أن معظم الشركات تحتاج إلى توجيه طاقمها من خلال التمرين والتدريب على القيادة لمتابعة تنفيذ التحول نحو الإدارة اللينة على مستوى المؤسسة والالتزام به. وقال كبير المستشارين في شركة المبادئ الأربعة ستيفانو جاسباري إن السوق مليء بالشركات التي حاولت تبني الإدارة اللينة ولكنها فشلت، لذلك فإن أهم عناصر النجاح هو الحصول على المساعدة الصائبة في الوقت الصحيح.

تجميع أفضل الممارسات

في حين أن كلمتي “المرونة” واللين” تحملان معنيان وأصلان مختلفان كليًّا، كما أنهما تختلفان في التطبيق أيضًا، إلا أن كليهما يتمحوران حول التنظيم الذاتي والفرق ذات الوظائف المتعددة وسلسلة من المبادئ والممارسات التي تركز على تعزيز العمليات ودورات التحسين المتواصلة. ويمكن القول إن الإدارة اللينة التي انطلقت من عالم التصنيع هي شريك طبيعي لمنهجية المرونة نظرًا إلى أنها تركز على التخلص من الهدر وتبسيط العمليات من خلال اعتماد المهام التي تضيف القيمة فقط.

على الرغم من أن المفهومين قد تم تطويرهما في الأساس لحل المشكلات في البرامج والتكنولوجيا والصناعة، تبين أنه يمكن تطبيقهما بشكل واسع وفي جميع مجالات الأعمال وغيرها كالتعليم والمالية وحتى المجال العسكري. وقد تتطلب بعض العمليات والخطوات إجراء بعض التعديلات عليها، ولكن يمكن تطبيق المخطط العام إذا كان الهدف النهائي هو منتج مادي أو خدمة كتوفير الرعاية الصحية أو حملة كالتسويق والإعلان.

وقال أحد كبار المستشارين في شركة المبادئ الاربعة جيمس راين: “بعض الأنواع العامة للنتائج تبقى مهمة بغض النظر عن الصناعة التي نتحدث عنها”، وشرح قائلًا: “يعد كل من الوقت إلى السوق أو سرعة التسليم غاية في الأهمية مهما كان القطاع الذي تعمل فيه.”

في إطار عمل الإدارة اللينة/المرنة، غالبًا ما يعتمد المسؤولون وفرق العمل أساليب محددة مثل برنامج سكرم وكانبان وهوشين كانري وغيرها من المناهج المتطورة لتأسيس منظمة تتمحور حول العمل الجماعي وإدارتها. ويوفر برنامج سكرم إطار عمل هيكلي لإدارة المشاريع والمنتجات بحيث يقوم طاقم العمل ذاتي التنظيم بالاجتماع يوميًّا في إطار اجتماعات مصغرة بحيث يتم تقسيم العمل على فترات زمنية قصيرة الأجل تدعى “سبرينت”، ويتم في نهايتها اختبار المخرجات، ويتم إدخال ما تم تعلمه إلى النظام من أجل تسليم المنتجات بشكل متكرر.

قد تستخدم فرق العمل لوحاتكانبانكوسائل مساعدة لإدارة المشاريع المرئية من أجل تتبع الخطوات وتحسين الاتصال والتعاون.أما هوشين كانري – أي “نشر السياسات” – هي منهجية لإدارة الأهداف تم تصميمها بهدف التخلص من عدم التناسق في الاتجاهات والخطوات والتأكد من أن كل خطوة يتم اتخاذها في الشركة تتوافق مع الأهداف الاستراتيجية للشركة.

يمكن للشركات أن تستعين بالنماذج المصغرة لكي تنظم فرقها بما يتماشى مع هيكل واسع النطاق على مستوى الشركة وعادة ما تكون مجموعات متنوعة الأحجام.في العام 2015، شرعت الشركة الهولندية الضخمة “إي أن جي” برحلة للتحول نحو الإدارة اللينة/المرنة بهدف توفير خدمات سلسة ومتكاملة للزبائن عبر قنوات متعددة المداخل وفهم أعمق لرحلة العملاء. وباتباع نموذج طورته شركة “سبوتيفاي” واعتمدته بنجاح شركات مثل “نتفليكس” و”جوجل” و”زابوس”، أعادت شركة “إي أن جي” تنظيم بعض مجالاتها التخصصية وقسمتها على فرق صغيرة متعددة التخصصات وذاتية التنظيم، ولا يتخطى عددها التسعة أشخاص، وهي تكون جزءًا من مجموعة أكبر مؤلفة من 150 شخصًا لديهم مهام متداخلة. وعلى مدى سنتين، استطاعت الشركة أن تعتمد هيكلية جديدة في جميع مقراتها الرئيسية، فأصبحت هذه الهيكلية جزءًا لا يتجزأ من نجاح الشركة المتواصل.

ويمكن اعتماد مفهوم “القيادة الخادمة” كمفهوم أساسي آخر لتطبيق الإدارة المرنة في الشركة – أي إعادة توجيه السلطة. انطلاقًا من هذا المفهوم، يتلقى المدراء وكبار المسؤولين التنفيذيين التوجيهات من العمال الذين يقومون بالمهام فعلًأ. على سبيل المثال، اشتهر عملاق التصنيع “غور” بالثورة التي أحدثتها الشركة على مستوى الإدارة عندما تحولت من الهيكلية الهرمية من الأعلى إلى الأسفل، لتبني إدارة أكثر ديمقراطية عرّفت عنها الشركة بـ”المشبكة”، حيث قامت بإلغاء مواقع السلطة الثابتة. بناء عليه، يتواصل الموظفين مع بعضهم البعض مباشرة بدون أي وسائط، ويتم تحديد المهام والأهداف بحسب متطلبات المشروع. في إطار هذا التحول، يتسلم المدراء أدوارًا جديدة يعملون بموجبها بصفتهم وسطاء وليس مشرفين. وعليه، يتم تقليص المهام التوجيهية الخاصة بالمدراء، فيصبح لديهم المزيد من الوقت لتنمية مهارات الآخرين ودعم أهدافهم، بالإضافة إلى التخلص من الفجوات والعراقيل التي تمنع فرق العمل من تقديم أفضل طاقاتهم ومن توفير التوجيه الاستراتيجي.

وتوسعت غيرها من المنظمات بهذه الفكرة واعتمدت ما يُعرف بالهيكل التنظيمي “المسطح”، وهو ما يشرحه المفهوم الياباني “كايزن” على أنه نوع من إعادة التفكير الذي يمكّن جميع العاملين بغض النظر عن مراكزهم، وذلك لتسليط الضوء على ثغرة في العمل أو على موقع افتقار للكفاءة، وبالتالي اقتراح طرق التحسين.

وقال مدير مختبر كايزن في شركة المبادئ الأربعة إيرنست ندش: “الهدف هو منح كل فريق صلاحية المساءلة الشاملة على نتائج محددة واتخاذ قراراتهم الخاصة حول أنسب الطرق لتحقيق هذه النتائج”، وأضاف: “الجميع في المؤسسة يعمل بتفويض معين لتقديم أفضل قيمة للعملاء بأسرع وقت ممكن، مع الحرص على توافق جميع القرارات مع الأهداف الاستراتيجية.” وتجدر الإشارة إلى أن شركة المبادئ الأربعة متخصصة بتقديم التدريب المعمق اللازم على القيادة اللينة/المرنة لتحقيق هذا التحول الثقافي.

الإدارة اللينة/المرونة: تغيير قواعد اللعبة

يمكن للمرونة الشاملة أن تحقق نتائج مذهلة. فلنأخذ على سبيل المثال شركة ويكيسبيد التي صنعت نموذجًا لمركبة بسعة 100 ميلًا للغالون بأقل من ثلاثة أشهر، فقد اشتهرت الشركة التي تعتبر من بنات أفكار جو جاستيس من شركة سكرم بإصرارها بصناعة المركبات بسبب أسلوبها الإداري الراديكالي المستلهم من شركة سكرم ونهجها العشوائي في التصميم والصناعة. بدأ الأمر عندما قرر جاستيس المشاركة بمسابقة “إكس برايز” التي نظمتها شركة “بروجريسيف إنشورنس” بجائزة مالية قيمتها 10 مليون دولار لأول فريق يستطيع أن يبني سيارة بكفاءة 100 ميل للغالون، مع الحرص على امتثالها لمعايير السلامة القانونية على الطرق. تنافس فريق جاستيس المؤلف من 44 شخصًا مع شركات وجامعات ممولة، واستطاع بناء نموذجتجريبي عملي بأقل من 3 أشهر وحصد المركز العاشر في الفئة العادية.

قام فريق ويكيسبيد المنتشر في 4 بلدان بتنظيم المشروع على فترات زمنية مدتها أسبوع، بحيث يتم تفحص السيارة بأكملها – وليس مكوّن واحد فقط – كل سبعة ايام، ويتم توظيف المخرجاتمن أجل إعادة ترتيب الأولويات، مما يؤدي إلى تسارع وتيرة التطوير بشكل كبير جدًّا. ومن خلال جائزة الترضية البالغة قيمتها 10,000 دولار التي ربحتها ويكيسبيد من مسابقة إكس برايز، استكملت الشركة تطوير سيارة “رودستر” المتوفرة الآن للبيع على موقع الشركة في ثمانية نماذج مختلفة. وبهذا تكون الشركة مثالًا لغيرها من الشركات التي ترغب بالانطلاق في مشروع صغير وتطويره.

اليوم أصبحت شركة ويكيسبيد مركزًا مفتوح المصدر للمعرفة في مجال التصميم وتوفير الخطط والمواصفات مجانًا، بالإضافة إلى العمل على نماذج أولية للجيل التالي من مركبات تسليم البريد وسيارات الأجرة وسيارة السباق الخفيفة للغاية. والآن، اشتهرت الشركة بكونها مثالًا على المرونة التنظيمية، بحيث استطاعت شركة مبتدئة وغير معروفة على الإطلاق أن تثبت وجودها في سوق محدد وحجزت لنفسها مكانة بين كبار الشركات، بل وأصبحت رائدة في الابتكار وملهمة لغيرها من الشركات.

جميع الشركات التي حاولت اعتماد تحوّل مرن واجهت بعض العراقيل في الطريق، ولكن نهج المبادئ الأربعة الذي يجمع أفضل جوانب الإدارة اللينة/المرنة وأكثرها عملية يوفر للشركات التوجيه والأدوات اللازمة من أجل تطبيق هذا التغيّر الضخم والطموح على المستوى التنظيمي.تملك شركة المبادئ الأربعة سجلّها الحافل بعمليات تحسين أداء الشركات في الكثير من القطاعات، تستخدم شركة المبادئ الأربعة مجموعة كاملة من مفاهيم الإدارة اللينة والمرنة والتقنيات اللازمة لإعادة برمجة ثقافة الشركات وتحويل منهج الشركة نحو الإدارة اللينة/المرنة، والنتيجة هي نموذج شامل ولكن محدد للتغيير التنظيمي. تواصلوا معناللمزيد من المعلومات.